أخبار المجلس


14 ربيع الثاني 1431
الكلمة الافتتاحية لمعالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي

د. محمد بن سليمان الجاسر في الاجتماع الأول للمجلس النقدي -الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله​ وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله القائل في محكم كتابه " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ". وصلى الله على سيدنا محمد القائل "إن يد الله مع الجماعة"​

أصحاب المعالي والسعادة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يُسعدني الترحيب بكم جميعاً في مدينة الرياض في يوم نحتفل فيه بإنجاز لم يكن ليتحقق لولا توفيق الله ثم توجيه ومباركة قادة وهبهم الله رؤية نافذة وسداداً في الرأي وسعياً نحو كل ما فيه مصلحة أوطاننا حاضراً ومستقبلاً، فمن هذا المنبر أرفع لهم أصالة عن نفسي ونيابة عن أعضاء مجلس إدارة المجلس النقدي لمجلس التعاون الشكر الجزيل والدعاء بأن يهبهم الله سبحانه وتعالى الصحة والعافية وأن يديم عليهم وعلينا جميعاً نعمة الرخاء والاستقرار وأن يجعل هذا الإنجاز في موازين أعمالهم. وأغتنم هذه المناسبة بتقديم الشكر الجزيل لكل من ساهم في تحقيق هذا الإنجاز بالدراسة والتفكير والعمل وأخص بالشكر الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ومعالي أمينها العام واللجان ذات العلاقة في المجلس. والشكر موصول للزملاء محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية في دول مجلس التعاون والعاملين فيها على جهدٍ بدأنا بقطف أولى ثماره فلله الحمد والمنة.

أصحاب المعالي والسعادة،

ونحن نحتفل اليوم بعقد أول اجتماع لمجلس إدارة المجلس النقدي قد يكون من المناسب أن نستعرض بإيجاز رحلة ثلاثين عاماً من عمر مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو مجلس يحقق يوماً بعد يوم إنجازات غير مسبوقة في منطقتنا. ويعد قيام الاتحاد النقدي تتويجاً لمراحل مختلفة تدفع نحو التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، وكانت البداية إنشاء منطقة التجارة الحرة في عام 1981م ومن ثم تكوين الاتحاد الجمركي في عام 2003م تلاها إنشاء السوق الخليجية المشتركة في عام 2008م. وها نحن اليوم نشهد بدء تشكُّل ثمرة أخرى من ثمار تعاوننا المشترك وهي انطلاقة المجلس النقدي الذي يعد نقلة نوعية وتاريخية في مسيرة التكامل والترابط الاقتصادي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ولا يقل العائد الاقتصادي في نظري لهذه الخطوة عن الرمز التاريخي لها.

أصحاب المعالي والسعادة،

يطيب لي ونحن نحتفل اليوم بانعقاد أول اجتماع للمجلس النقدي أن أستعرض وبإيجاز أهم مراحل تحقيق الاتحاد النقدي. حيث كانت البداية موافقة المجلس الأعلى في ديسمبر من عام 2001م على البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي، وتبني الدولار الأمريكي مثبتاً مشتركاً لعملات دول المجلس اعتباراً من عام 2003م. وخلال السنوات القليلة الماضية بدأت لجان مختلفة العمل على وضع معايير للتقارب الاقتصادي وتحديد مكوناتها وطريقة حسابها وبما يحقق تقارب اقتصادات الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي ويسهِّل إصدار العملة الموحدة إن شاء الله. وأقـرّ المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته السادسة والعشرين (أبوظبي، ديسمبر 2005م) معايير تقارب الأداء الاقتصادي. واعتمدت لجنة التعاون المالي والاقتصادي في مايو من عام 2007م طرق حساب وقياس معايير تقارب الأداء الاقتصادي والاسـتقرار المالي والنقدي.

وبالتزامن مع عمل اللجان المعنية بالاتحاد النقدي في جانبه الاقتصادي عملت فرق قانونية من الدول الأعضاء على إعداد مسودة الإطار التشريعي والتنظيمي للسلطة النقدية المشتركة، وتوج هذا الجهد بإصدار المجلس الأعلى في دورته التاسعة والعشرين (في شهر ديسمبر من عام 2008م) قراره باعتماد اتفاقية الاتحاد النقدي واعتماد النظام الأساسي للمجلس النقدي، وحث الدول الأعضاء للمصادقة على الاتفاقية في أسرع وقت ممكن تمهيداً لإقامة المجلس النقدي وتمكينه من القيام بمهامه في موعد أقصاه نهاية عام 2009م. وبالفعل صادقت أربع دول على الاتفاقية وأُودعت هذه المصادقات في أمانة المجلس قبل نهاية عام 2009م.

الأخوة أعضاء مجلس الإدارة،

تأتي انطلاقة المجلس النقدي في وقت يشهد العالم فيه أخطر أزمة مالية يمر بها العالم منذ نحو ثمانين عاماً مسببة آثاراً سلبيةً على النمو الاقتصادي في كثير من دول العالم ومحدثة الكثير من المشاكل الاقتصادية. وخلال مثل هذه الأزمات الاقتصادية تبرز أهمية التعاون والتكامل الاقتصادي ومواصلة العمل لتعزيز مسيرة التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء. وكلي ثقة بنجاح هذه المسيرة بعون من الله وتوفيقه.

إن تحقيق ما نطمح إليه يحتاج مضاعفة الجهد منا جميعاً من خلال التركيز والمثابرة والعمل الدؤوب لتشعب متطلبات الاتحاد النقدي وتعدد مساراته، فعلى سبيل المثال لا بد من العمل على تنسيق السياسات النقدية للدول الأعضاء وزيادة التناسق والانسجام بين البيانات والإحصاءات، ومواصلة العمل على تعزيز الإشراف المصرفي وربط أنظمة المدفوعات. ولا يقل عن ذلك أهمية استكمال الجوانب القانونية ومنها على سبيل المثال إعداد اللوائح الداخلية للمجلس النقدي ومواصلة العمل لإتمام نظام البنك المركزي ودراسة الأنظمة القائمة في دول المجلس ذات العلاقة بالاتحاد النقدي لزيادة تناسقها وإزالة أي تعارض بينها. ومن المهم أيضاً تطوير الجوانب الإدارية ومنها ترسيخ مبادئ العمل المؤسساتي في المجلس النقدي وحسن اختيار الجهاز التنفيذي للمجلس باعتباره نواة لبيئة وثقافة عمل في البنك المركزي المستقبلي. تلك الأعمال جميعها تتطلب إعداد برامج عمل ضمن خطط زمنية تلبي طموحات قادتنا وشعوبنا.

أصحاب المعالي والسعادة،

أود التأكيد هنا أن المملكة العربية السعودية كما هو الحال في بقية الدول الأعضاء ملتزمة بالمضي قُدُماً في مسيرة الاتحاد النقدي، وعلى استعدادٍ دائمٍ للعمل على تذليل جميع التحديات التي قد تواجه مسيرة الاتحاد النقدي، والعمل يداً بيد حتى إكمال متطلبات الاتحاد النقدي كافة وتتويج الجهد المشترك بتأسيس البنك المركزي وانطلاق العملة الموحدة.

ولا يفوتني هنا أن أنبه نفسي والمعنيين جميعهم بما في ذلك مواطنينا من الوقوع في فخ المبالغة في التوقعات. فمن المؤكد أن الاتحاد النقدي والعملة الموحدة سوف تحقق تناسقاً في السياسات النقدية وقدرة مقارنة الأسعار وسهولة وشفافية التعامل المالي بين مواطني دول المجلس والمقيمين فيها ولكنها لن تحل المشاكل والمعضلات الاقتصادية الأخرى التي يجب التصدي لها عبر القنوات الاقتصادية الأخرى التي لا تقع ضمن مسئوليات وصلاحيات المجلس النقدي أو البنك المركزي مستقبلاً.

وفي الختام
أتمنى للمجلس النقدي التوفيق والنجاح في تحقيق أهدافه، واجتماعاً موفقاً بعون الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته